أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / اراء ومقالات / فساد بلا بصمات!

فساد بلا بصمات!

نوزاد حسن

عاد اسم (برهم الأخرس) الى ذاكرتي حين بدأت الحكومة تصرح بإمكانية الاستعانة بفريق دولي للتحقق من الاموال العراقية التي اهدرت طيلة اعوام هذه الديمقراطية المسرفة دون ان تعلم ان المسرفين اخوان الشياطين. هذا يعني اننا بحاجة الى خبرة تكشف لنا عن ما نسمعه من قصص واخبار عن اموال ضاعت وسرقت وهي كما يقال بالمليارات. لكن لو ان فريق التحقيق الدولي جاء وانجز مهمته, وكشف عن اسماء لم نكن نتوقعها، ثم اوضح عن الرقم الحقيقي للاموال المفقودة حينئذ سيشعر الجميع بنسمة عادلة تعيد الامل الينا، فليس هناك ما هو اجمل من لص يقدم للعدالة.

لكن ما معنى هذا الذي قلته بحق برهم الاخرس؟. هناك في الواقع صلة من نوع ما بما قلت، فبرهم الاخرس كان لصا محترفا في ايام الملكية, وفي واحدة من صولاته قام بسرقة خبير سويسري جاء الى بغداد بطلب من حكومة نوري السعيد لدراسة الاقتصاد العراقي، فاتصل برئيس الحكومة «السعيد» الذي هدد مدير شرطة الرصافة وأمره بإحضار «جزدان» الخبير السويسري. وبرشاقة خلية نحل بدأت الشرطة بالبحث عن كل من عنده سوابق فلم يصلوا الى شيء. وعندها اضطروا للذهاب الى امرأة كانت تحترف السرقة, وكان اسمها مدرجا ضمن قائمة اصحاب السوابق فربما يجدون لديها حلا لهذه المشكلة. انكرت المرأة اية علاقة لها بالسرقة لأنها تابت وذهبت الى الحج. لكن مدير شرطة الرصافة اصر ان يعرف الحقيقة لأن الباشا نوري السعيد امهله 24 ساعة لإعادة مال الخبير المسروق. سألت المرأة: هل سرق المال من «جاكيت» الرجل ام من جيبه؟. اجابها مدير الشرطة: ان الخبير كان يلبس قميصا وبنطلونا. قالت: واين كان يضع النقود؟. اجابها: في الجيب الخلفي للبنطلون. قالت: ابحثوا عن برهم الاخرس. وتحركت قوى الشرطة في المحافظات كلها وتم العثور على السارق، واحضروه الى مركز الشرطة, فحاول مدير الشرطة ان يطمئنه بأنه سيشهد له في المحكمة بما يقلل من عقوبته, فيما لو اعترف بالحقيقة. وفعلا اعترف, واخبر المدير انه صرف عشرة دنانير من المال المسروق فرد المدير المبلغ المصروف من ماله الخاص لإنهاء القضية.
لعل ما جعلني اعيد هذه القصة بملل واضح هو اني اظن ان اسلوب السرقة تطور نوعا ما. السرقة هي الفعل الذي قفز الى اعلى مراتب التطور, لأن مزاج اللصوص تغير، فأسرار مهنة اللصوص ايام الحكم الملكي كانت مكشوفة وواضحة, ومن الممكن ان يلقى القبض على اللص بسرعة لأنه لص لا يملك نماذج محترفة يتعلم منها كيف يخفي اسلوبه عن هدر
و «هبر» الملايين من الدولارات.
برهم الاخرس كان يسرق بلا اساتذة يتعلم منهم لان نوري السعيد كان نزيها, وهذه النزاهة تجعل من السرقة مجرد مهنة بلا خبرة مفيدة. لكن اليوم تغيرت الصورة اذ صار الفساد بارعا جدا في التخفي, ولا يمكن معرفته. انه فساد بلا بصمات. رحم الله برهم الاخرس والحاجة التائبة, ورحم الله زمنهما الجميل.

 

منقول من صحيفة الصباح

عن omar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . Required fields are marked *

*