أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / اراء ومقالات / الإعلام العراقي.. رحلة مطوقة بالتحديات

الإعلام العراقي.. رحلة مطوقة بالتحديات

بغداد/ هدى العزاوي
بعد أن كانت هناك قناة فضائية واحدة وبضع إذاعات وصحف، صحا العراقيون ليجدوا الأثير مليئا بموجات الإذاعات، وبسطات الشوارع مفروشة بالصحف، حتى وصل عددها لنحو مئة صحيفة سرعان ما تبخر أغلبها لافتقاد الفرق الصحفية القائمة عليها للمهنية، فضلا عن نضوب مصادر التمويل، فبعد العام 2003 وما شهده الإعلام العراقي من انقلاب في مساره جعل من الإعلام المركزي السلطوي إعلاما متعددا وحرا.
وهذا ما أكده مراسل إذاعة «الرأي العام» محمد القيم، مضيفا: «الممارسة الديمقراطية تجلت بأوضح صورها في الإعلام الذي بات لا تحده خطوط حمراء سوى تلك التي يرسمها الدين والعرف المجتمعي، فتعدد وسائل الإعلام واختلاف طرحها دفع الجماهير لأن تنجذب للقنوات التي تتوافق مع آرائهم الفكرية والدينية والمذهبية والنفور من القنوات التي تتعارض مع ما يحملونه من قيم، وعلى هذا الوتر عزف الممولون من الدول والمنظمات القائمة على بعض القنوات، فتجد المتلقي ينجذب للقناة الإعلامية (سواء كانت مسموعة أو مرئية أو مطبوعة) التي يجد فيها ما يحب سماعه ومشاهدته بغض النظر عن أهداف من يمولها وطبيعة بعض البرامج التي تقدمها
تلك المؤسسات».
ومن جانبه يؤكد المعاون العلمي لكلية الإعلام / جامعة بغداد،
الدكتور رعد جاسم الكعبي أن «هناك تفاوتا في مساحة التعرض لوسائل الإعلام وتفاوتا في مستويات تأثيرها، وهذا الأمر يعود لانتقاء القضايا وكيفية طرحها واستعداد الجمهور والمنافسة ما بين الوسائل الإعلامية
المتاحة، ومع الأسف فالإعلام العراقي يعاني من مجهولية مصادر التمويل وهيمنتها وسيطرة أصناف من المتخصصين على المشهد الإعلامي والقطيعة مع الأكاديميين وإقصائهم، فالإعلام يمكن أن يؤشر الى التعددية، إذ بلغ عدد القنوات المسجلة لدى هيئة الاتصالات 80 قناة فضائية وفي كردستان 90 مؤسسة
إعلامية، وعلى الرغم من هذا الكم الهائل من المؤسسات الإعلامية إلا أنه بطيء في متابعاته ونمطي في معالجاته ومتشابه في انتقاء القضايا والفوضى
ومتشتت في خطابه للجمهور، ما جعل الإعلام جزءا من
مشكلات البلد ولم يكن جزءا من الحلول، فالإعلام أعاد التجربة السابقة ولم يوجد نموذجا
جديدا بعد التغيير».
فوضى إعلامية
ويقول سكرتير تحرير قناة العهد الفضائية حيدر نوروز: «كان النظام السابق يسيطر على وسائل الإعلام ويعرض كل ما يلائم سياسته الحكومية والدولية، خاصة في ما يخص الملف الأمني الذي تحرص فيه وسائل الإعلام على عدم نشر أو عرض ما يمس الأمن القومي أو ما يثير حالة من عدم الاستقرار أو الرعب بين الناس فالحفاظ على أمن المواطن من أولويات الدولة، وهذا الأمر ايضا ينطبق على باقي الملفات التي كانت تسعى فيها وسائل الإعلام الى خلق نوع من أنواع الاستقرار والطمأنينة لدى المتلقي عبر إخفاء بعض الحقائق لما يتعرض له المواطن العراقي من جرائم وانتهاكات بعيدا عن أنظار المجتمع الدولي، ولكن لم تستمر الحال على ما هي عليه، فبعد عام التغيير نالت وسائل الإعلام العراقية مساحة واسعة من الحرية ولكن  أكمل الجملة الكاتب والاعلامي عمران العبيدي ان: «هذه الفسحة من الحرية لها عدة إفرازات وكانت لها جوانب إيجابية مثلما لها جوانب سلبية، فهي من جانب أطلقت أنامل الكثيرين ليكتبوا وليعبروا عما في داخلهم وليبرزوا طاقاتهم دون خوف من أحد، ومن جانب آخر حدثت بعض الفوضى عندما انطلقت تلك الموجة الإعلامية دون حدود تحدها أو قوانين تسيرها فاختلط على البعض الخط الفاصل بين حرية الرأي وبين التجاوز على الآخر بحجة حرية الرأي، وان ما حدث أمر طبيعي لنتاج التحول المفاجئ، ومع الوقت بدأت الملامح الصحيحة والصحية تظهر للعيان فأخذ المشهد الإعلامي بالتنامي فتأصلت المؤسسات الناضجة وتوارت عن الأنظار العديد من الطفيليات الإعلامية والمشوار ما زال كبيرا ليكتسب الإعلام نضجا أكثر لأن الطريق الى الحرية الإعلامية لم تكن معبدة بالورود، فالفوضى السياسية ساعدت على ظهور الكثير من المعوقات في تناول بعض الموضوعات الحساسة لدى بعض المؤسسات».
وبعد أن أخذ نفسا عميقا يعود نوروز ليكمل حديثه:
«أغلب وسائل الإعلام في هذه المرحلة خرجت عن أخلاق المهنة وضوابطها والمساس بالأمن القومي للبلاد
وتمرير سياسات خاطئة يسعى من خلالها مالكو هذه المؤسسات الى إيصالها للمتلقي بغية تحقيق مكاسب معينة، خاصة وسائل الإعلام التابعة لأحزاب سياسية وتجار وشخصيات مبهمة النوايا باستثناء وسائل الإعلام التابعة للدولة التي تلتزم بالضوابط، فالإعلام أسس لخدمة الشعب فهو سلاح ذو حدين كما قال وزير إعلام الديكتاتور هتلر جوزيف جوبلز: «أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك
شعبا بلا وعي}.

الصدمة الاجتماعية
«كانت خيارات المواطن العراقي قبل العام 2003 محدودة جدا فيشاهد قناة واحدة رسمية وأخرى رديفة تسمى قناة الشباب ومتابعة بعض الإذاعات المهمة كمونت كارلو ولندن والبي بي سي» بهذه العبارة استهل الأستاذ في علم الاجتماع الدكتور محمد عبد الحسن حديثه عن علاقة الإعلام مع المجتمع، مشيرا الى أن «انفتاح المجتمع العراقي بصورة مفاجئة على الستلايت ووسائل الاتصال الحديثة جعله يندمج بالمجتمع الكوني، لتأخذه يد العولمة الثقافية والإعلامية بأحضانها الواسعة ليرتبط المواطن بالعالم الخارجي بأكثر من وسيلة في مقدمتها الموبايل الذي يربط الفرد الواحد بعشرات ومئات الأشخاص إن لم يكن الآلاف منهم من خلال إمكانياته الهائلة وبرامجه الواسعة من الفيس بوك وتويتر والانستغرام،
وهذه المواقع والغروبات متسعة سعة الحياة ولا تكاد تجد مفردة إلا وقد غطتها، وظهور المئات من القنوات الفضائية التي ترضي كل الأذواق وتغطي حاجة كل فرد من أفراد الأسر ليدخل كل منهم الى عالمه الإعلامي الخاص، ما جعل من الصحف والمجلات سلعة بائرة قليل من يقبل عليها وبقية أفراد المجتمع ربما يتطلع إليها إذا كانت الكترونية وليست ورقية». ويضيف العبيدي «مع أي تغيير أو تحول في المشهد السياسي لأي بلد نجد أن الجوانب الحياتية الأخرى قد تأثرت أيضا، وذلك أمر طبيعي ولكن هنا تختلف هذه المتغيرات بين إيجابية وسلبية، والجانب الإعلامي يكون مركز ذلك التغيير والتحول كونه العامل الفاعل على الجوانب الأخرى، فبعد عام التغيير حدث شيء أشبه بالصدمة، فبعد معاناة كبيرة مع نظام أطبق وضيق على كل شيء بما فيها الحريات، الكثيرون أصابهم اليأس من احتمال إحداث أي تغيير، وبشكل فجائي انقلبت الأوضاع على عقب وتكسرت جميع القيود ووجد الإنسان العراقي نفسه أمام فسحة هائلة من الحرية، هذه الفسحة التي حصلت بشكل مفاجئ لم تكن تمتلك الأرضية المؤهلة تماما لاستيعابها فحدث شيء أشبه بالانفجار خصوصا في ما يتعلق بالإعلام ووجدنا حينئذ ان الرصيف العراقي يمتلئ بمئات الصحف بعدما كانت صحف الحزب والدولة تسيطر على الشارع العراقي وعلى مدار أربعة عقود مظلمة».
ويقول عبد الحسن: «شتت الإعلام غير الموجه والمبرمج خطاب الجمهور بعد أن دخل دون استئذان أو تمهيد على المجتمع العراقي وكسر الكثير من الثوابت والقواميس الاجتماعية التي كانت تشكل خطوطا مقدسة وليست حمراء، فقد أسهمت
وسائل الإعلام التي قد ينتمي بعضها الى أحزاب والى
شخصيات والى جهات ودول في ضياع الهوية الوطنية الجامعة لتظهر لنا هويات متعددة كلها تنادي بأصالتها على حساب أصالة الهوية الأم الجامعة، والمجتمع العراقي اليوم بحاجة ماسة الى إعلام جامع يجمعه ويلملم شتات أفكاره المبعثرة تجاه مصداقية الإعلام
العراقي الحر والتابع الى الجهات الحكومية».

الإعلام الشمولي
ويقول مدير إذاعة كلية الإعلام في جامعة بغداد الأستاذ ضياء مصطفى: «اتساع مساحة حرية التعبير من أهم الإيجابيات التي رافقت إعلام ما بعد 2003 الذي تحرر من الإعلام الشمولي ذي الاتجاه الواحد إلى إعلام ينشد التعددية والحرية والديمقراطية والإعلام الحر الذي يجب ألا يكون حرا مطلقا وإنما يجب أن يكون منضبطا ملتزما بضوابط النشر التي تحددها التشريعات الإعلامية وقوانين الإعلام التي تتباين من بلد إلى آخر، لا سيما أن هناك الكثير من الإعلاميين لا يفقهون بتلك التشريعات التي تؤدي بهم إلى ارتكاب جرائم نشر،
كما أن عدم الفهم الصحيح للتعددية والديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر أدت إلى تشظي الخطاب
وبدلا من أن يكون متماسكا يهدف إلى الحفاظ على وحدة الوطن وتماسكه ظهر لدينا خطاب متناحر يعتمد على التسقيط والتشهير والتضليل الإعلامي، كما ظهرت ضغوط عديدة على العاملين في وسائل الإعلام منها مهنية ومنها سياسية أدت إلى تراجع الدور الرقابي والصحافة الاستقصائية التي تحارب الفساد والانحراف».
ويضيف مصطفى «كذلك عدم ضمان حقوق العاملين في المؤسسات الإعلامية من ناحية العقود والرواتب وإنهاء الخدمات التعسفي الذي واجهه الكثير من الإعلاميين، ما يجعله تابعا للسياسة الإعلامية لمؤسسته محدد الإنتاج والإبداع نتيجة طبيعة التمويل لتلك المؤسسات والتي من المفروض أن تكون لها منافذ دعم وتمويل حكومي، فبسبب التمويل أغلقت العديد من المؤسسات الإعلامية، ومن النقاط المهمة الجديرة بالاهتمام مدى تفاعل المؤسسات الحكومية مع ما ينشر في وسائل الإعلام التي تعتبر عين المسؤول وتنقل له الكثيرعن عمله سواء بالسلب أو الإيجاب، لذلك يجب أن تستثمر أجواء الحرية وبشكل صحيح من أجل خدمة البلد بما يتناسب مع أخلاقيات الإعلام ودوره في بناء الوطن».
ويختتم مراسل إذاعة الرأي العام حديثه «هناك الكثير من الإعلاميين يصرون على التشبث بحرياتهم في تناول بعض الموضوعات الحساسة على الرغم من الصعوبات والمعوقات التي ظهرت نتيجة الفوضى السياسية لبعض القنوات الفضائية، ومع الأسف أغلب المؤسسات الإعلامية العراقية تدار بأموال الخارج، وبالتالي فهي تلبي طموحات من في الخارج أيضا، ما يسلخ عنها رداء الوطنية، وبالنهاية ثمة حقيقة وهي أن المؤسسات الإعلامية تحتاج لأموال ضخمة لديمومة بقائها،
لذا أن تكون مطلقة ومستقلة فهو ضرب من الخيال، فعلى السلطات التدخل لا للتضييق على الإعلام ولكن لترتيب الأوراق بما يتفق مع المصلحة العامة والأمن القومي،
فالأشياء والتحولات لا تأتي
بسهولة ولكن في عموم المرحلة هنالك مشهد إيجابي في التحول الإعلامي علينا تطويره».

 

منقول من صحيفة الصباح

عن omar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . Required fields are marked *

*